علي الأحمدي الميانجي

160

مكاتيب الأئمة ( ع )

أيُّها المُؤمنونَ لا يَفتِنَنَّكمُ الطَّواغيتُ ، وأتباعُهُم مِن أهلِ الرَّغبَةِ في هذه الدُّنيا ، المائِلونَ إليها ، المُفْتَتِنونَ بها المُقبِلونَ عليها وعلى حُطامِها الهامدِ ، وهَشيمِها البائِدِ غداً ، واحْذَروا ما حَذَّركُمُ اللَّهُ مِنها ، وازْهدوا فيما زهَّدكم اللَّهُ فيهِ مِنها ، ولا تَرْكَنوا إلى ما في هذه الدُّنيا رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَها دارَ قَرارٍ ومَنزِلَ اسْتِيطانٍ . واللَّهِ إنَّ لكُم ممَّا فيها عَلَيها لدَليلًا وتَنْبِيهاً ، مِن تَصريفِ أيَّامِها وتَغيُّرِ انْقِلابِها ومَثُلاتِها وتَلاعُبِها بأهلها ، إنَّها لَتَرْفَعُ الخَمِيلَ ، وتَضَعُ الشَّريفَ ، وتُورِدُ أقواماً إلى النَّار غداً ؛ ففي هذا مُعْتَبَرٌ ، ومُخْتَبَرٌ ، وزاجِرٌ لِمُنتبِهٍ ، إنَّ الأمورَ الوارِدَةَ عَلَيكُم في كُلّ يومٍ ولَيلَةٍ مِن مُظلِماتِ الفِتَنِ ، وحَوادِثِ البِدَعِ ، وسُنَنِ الجَوْرِ ، وبَوائِقِ الزَّمانِ ، وهَيْبةِ السُّلطانِ ، ووسْوسَةِ الشَّيطانِ ، لَتُثبِّطُ القلوبَ عن تنبُّهِها ، وتذْهِلُها عن موجودِ الهُدَى ، ومعرفَةِ أهلِ الحَقّ إلّاقليلًا مِمَّنْ عَصَمَ اللَّهُ ، فَلَيسَ يعرِفُ تصَرُّفَ أيَّامِها ، وتَقَلُّبَ حالاتِها ، وعاقِبةَ ضرَرِ فتْنتِها إلّامَن عَصَمَ اللَّهُ ، ونَهَجَ سبيلَ الرُّشدِ ، وسَلكَ طَريقَ القَصدِ ؛ ثُمَّ اسْتعانَ على ذلك بالزُّهدِ ، فكرَّرَ الفكرَ ، واتَّعظَ بالصَّبرِ ، فازْدَجر ، وزهِدَ في عاجِلِ بَهْجةِ الدُّنيا وتجافى عَن لذَّاتِها ، ورَغِبَ في دائِمِ نَعيمِ الآخِرةِ ، وسَعى لها سَعْيَها وراقَبَ المَوتَ ، وشَنأ الحَياةَ معَ القَوْمِ الظَّالِمينَ . نظَر إلى ما في الدُّنيا بعَيْنٍ نَيِّرةٍ حَديدَةِ البَصَرِ ، وأبْصَرَ حَوادِثَ الفِتَن ، وضلالَ البِدَعِ ، وجَوْرَ المُلوكِ الظَّلَمَةِ . فَلقَد لَعَمري استَدبرتُمُ الامورَ الماضِيَةَ في الأيَّامِ الخالِيَةِ مِنَ الفِتَنِ المُترَاكِمَةِ ، والِانهِماكِ فيما تَسْتَدلُّونَ بِهِ على تَجنُّبِ الغُواةِ وأهلِ البِدَعِ والبَغيِ والفَسادِ في الأرضِ بِغَيرِ الحَقِّ ، فاسْتعينوا باللَّهِ ، وارجِعوا إلى طاعَةِ اللَّهِ ، وطاعَةِ مَن هُوَ أولى بِالطَّاعَةِ مِمَّن اتُّبِعَ فأُطيعُ . فالحَذَرَ الحَذَرَ مِن قَبلِ النَّدامَةِ والحَسرَةِ ، والقُدومِ عَلى اللَّهِ ، والوُقوفِ بَينَ يَدَيهِ .